محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

38

الروض المعطار في خبر الأقطار

خيرها ، والذهب بها كثير جدا حتى أن أهلها يتخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب ، وفي جزائر الواق واق مثل ذلك ، والتجار يرحلون إليها ويسبكون الذهب فيها ويخرجونه من هناك مسبوكا . أندراب « 1 » : مدينة من عمل بلخ ينسب إليها الحسن بن أحمد الأندرابي ، من حديثه عن الزهري أنه قال : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضي فلم يرض فهو شيطان . أنطاكية « 2 » : بتخفيف الياء ، مدينة عظيمة بالشام على ساحل البحر ، قالوا : وكل شيء عند العرب من قبل الشام فهو أنطاكية ، ويقال ليس في أرض الإسلام ولا أرض الروم مثلها . وهي مدينة حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها داخلا وخارجا ، بناها بطليموس بن هيفلوس الثاني من ملوك اليونانيين ، وقيل نسبت إلى الذي بناها انطيخين ولما عرّبت غيرت صورتها « 3 » ، وهي إحدى عجائب العالم ، مسافة سورها اثنا عشر ميلا وعدد شرفاتها أربعة وعشرون ألفا وأبراجها مائة وستة وثلاثون ، أسكن كل برج منها بطريقا برجاله وخيله ، فمرابط الخيل في أسفله وأعلاه طبقات وطاقات للرجال ، كل برج منها كالحصن عليه أبواب الحديد ، وأنبط فيها عيونا وأجرى الماء في شوارعها ، وماؤها يستحجر فيه الثفن في مجاريه فلا يؤثر فيه الحديد ولا يكسره ، وهذا الماء يحدث في الأجواف الريح القولنجية . وقد أراد الرشيد « 4 » سكنى أنطاكية فقيل له ما فيها من ترادف الصدا على سلاحها وزوال « 5 » ريح الطيب منها ، فامتنع من سكناها . والنصارى يدعونها مدينة اللّه ومدينة الملك وأمّ المدائن لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية ، وبها كرسي بطرس ويسمّى شمعون وشمعان وهو خليفة إيشوع الناصري المرأس على تلامذته الاثني عشر والسبعين وغيرهم . وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة تغلّب العدوّ على أهل أنطاكية ، وخيّروا أهلها بين المقام على أداء الجزية أو الخروج إلى أرض الشام ، فرضي بالجزية خلق كثير ولما جاء البشير بذلك نقفور عاقبه ، وغمه ذلك ، لأنه كان عنده في علم الحدثان ان الذي تفتح أنطاكية في أيامه يهلك سريعا فقتله اللّه تعالى سنة تسع وخمسين ، قتل في قصره وعلى سريره ، عملت على قتله امرأته التي كانت قبله لرومانس على يد ابن الشمشكي فقتلوه ليلا ، وكان سبب ذلك أن ابنها من رومانس واسمه باسيلي لما أدرك أراد نقفور أن يخصيه ويلزمه الكنيسة العظمى لينفرد هو بالأمر ، فلما علمت أمّه بعزمه على ذلك سعت في قتله فتم لها ذلك ، وولي ابن الشمشكي ودانت له النصرانية ثم ولي بعده باسيلي المذكور وهو الملقب بالملك الرحيم . وأنطاكية كثيرة المياه متسعة الأسواق والطرقات ، وبساتينها اثنا عشر ميلا ، وفي داخل سورها أرحاء وبساتين وخانات وبها أسواق ومبان ، ويعمل بها من الثياب المصمتة الجياد العتّابي والتستري والأصبهاني شيء كثير ، وبينها وبين أذنة شمالا ثلاث مراحل ، وعليها سور حجارة وفي داخلها البساتين والمزارع ويقال لها مدينة حبيب النجّار ، وبها الكفّ التي يقال إنها كف يحيى بن زكريا عليهما السّلام في كنيسة هناك ، وهي قاعدة القياصرة . وكان بأنطاكية فرعون من الفراعنة فبعث اللّه تعالى إليهم رسلا وفيهم نزل وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ الآية ( يس : 13 ) ، وأسماؤهم صادق وصدوق والثالث شلوم ، ويقال إنهم من الحواريين ولم يكونوا من الأنبياء والذي جاء يسعى رجل اسمه حبيب بن مري وكان يعمل الحرير فلما قال لهم يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ الآية ( يس : 20 ) ، وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه على دبره فأدخله اللّه تعالى الجنة حيا يرزق فيها ، فذلك قوله يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي الآية ( يس : 26 ) ، وصلب الكافر لعنه اللّه المرسلين منكوسين فأهلكهم اللّه تعالى جميعا فذلك قوله إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ( يس : 29 ) . ويستحجر الماء في مجاري أنطاكية ويتراكم طبقات حتى يمنع الماء من الجريان فلا يعمل الحديد في كسره . ويقال إنها بنيت في اثنتي عشرة سنة وان النفقة في سورها انتهت مائة وخمسين وقرا من دنانير الذهب ؛ ويقال إن يحيى عليه السّلام دفن في كنيسة بأنطاكية وانه قتل في شهر آب .

--> ( 1 ) سقط الاسم من ع وكتب في ص : اندراق ، وانظر اللباب ( الأندرابي ) . ( 2 ) نزهة المشتاق : 195 ، والمروج 2 : 282 ، والبكري ( مخ ) : 58 ، وصبح الأعشى 4 : 129 . ( 3 ) ص ع : ولما عرب غير سورها ؛ وانظر التنبيه والاشراف : 116 . ( 4 ) ياقوت : « أنطاكية » ، وابن الفقيه : 116 . ( 5 ) وزوال : قراءة غير مؤكدة ، ويقابلها في المروج : وعدم بقاء . . . الخ .